الجمعة، 4 ديسمبر، 2009

أمن موريتانيا بين رصاصتين


لم تترك مأساة اترارزة في يوم كان يفترض فيه أن يكون يوم ملهاتها متسعا في القلب لمزيد من الألم والحسرة إثر إرتكاب تلك المجزرة البشعة اللتي احتبست جراءها أنفاس الموريتانيين في الداخل والخارج، ليلتقطوها أخيرا بعد القبض علي الفاعل في انواكشوط بعيدا عن مكان الجريمة، وكأننا به سلم نفسه عندما قرر الإتصال من هاتفه الخلوي مصرحا لأحد الصحفيين أنه سيفعل ذلك عندما يشفي غليله وأي غليل! فعندما كان ولد فال يصول ويجول في مرابع "الخط" و"بو نعامة" متلذذا بأداء سيارته الفارهة حينا، و رصاصه المستطير غدرا من رشاشيه حينا آخر، كان المسؤولون عن الأمن في المنطقة أمام إمتحان صعب نظرا لأن الأمر يحمل في طياته أخطارا مبطنة، فلا شيئ يمكن أن يعترض طريق القاتل ويوقف جنونه ، وهم أشبه بمن يبحث عن إبرة سامة في كومة من القماش، لكن الله سلم ، ونحج الدرك أخيرا لله الحمد في القبض علي الجاني.
هذا فيما يتعلق بالأمن الداخلي حيث كثرت أيضا حوادث القتل وعمليات التلصص، أما في ما يخص الأمن الخارجي، وأقصد به أعداء موريتانيا في الخارج، فتشكل أكبر تهديد له حسب علمي، الجماعات المسلحة، وتحديدا القاعدة في بلاد المغرب الأسلامي، اللتي تلعب منذ زمن سياسة لي الأذرع مع السلطات الموريتانية، فبغض النظر عن العمليات الهجومية التي كانت الجماعة تنوي القيام بها ، سواء نجحت في ذلك أم لم تنجح، فإنها اصبحت الآن العدو رقم واحد للأمن الوطني، ولعلنا نلاحظ جميعا كيف بدأ الجيش يتكيف مع هذا الواقع الجديد
في هذا الصدد لايمكننا أن نغفل حادثة إختطاف الإسبانيين الثلاثة مؤخرا، فهي تطرح تساؤلات عديدة حول هذه الجماعة، لكن يظل من الإنصاف والموضوعية عدم الجزم تماما بضلوعها في عملية الإختطاف، حيث مازال البحث جاريا، والمعلومات شحيحة للغاية، رغم اتهام الحكومة الإسبانية شبه الصريح والرسمي لهذا التنظيم بالوقوف وراء العملية.
ما تجمع عليه مواقع الأنباء الوطنية والدولية، رغم تباين رواياتها بل وتضاربها أحيانا، فهي تجمع إذن علي ما نقل عن شهود عيان حيث ذكروا أن المهاجمين كانوا ملثمين وقاموا بإطلاق الرصاص فوق السيارة المستهدفة لإجبارها علي التوقف، قبل أن يأخذوا من فيها رهائن ويلوذوا بالفرار تاركين ورائهم سيارة الضحايا وبعض الرصاصات الفارغة المتطايرة.
وفي إنتظار فك رموز هذا اللغز المحير ومعرفة الحقيقة، نتمني لقوات أمننا كل التوفيق والنجاح في مهمتها النبيلة ضد من طغوا في الأرض وأكثروا فيها الفساد، علي أمل أن تنعم موريتانيا بالأمن والإستقرار اللازمين بالضرورة لعملية الإصلاح والتنمية الموعودة

السبت، 19 سبتمبر، 2009

موريتانيا وليل كموج البحر !




مسكين هو المواطن الموريتاني، تتناهشه المصائب من كل جانب ولا يلوح له أي ضوء في آخر النفق. فبلأمس القريب عاش ويلات الأزمة الدستورية وتجاذباتها، قبل أن تواري الثري بإنتخابات قيل إنها ديمقراطية، ولكن الأزمة لا تزال تحاول الخروج من مدفنها بكل السبل، يساعدها علي ذلك عدم تداعي أطرافها إلي حوار وطني صريح وشفاف من أجل وضع النقاط علي الحروف وبلورة ميثاق وطني صلب وحازم يلتزم فيه كل طرف بما يعنيه، إن معارضة و وتصويبا، أو تسييرا و ترشيدا.

هذا المواطن التعيس عاش أزمة علي أزمة و "أزداد عليه الطين بلة" فبإنتخاب مرشح الفقراء، وتسلمه دفة القيادة مجددا لم يكد هذا القائد يبرح مكانه بالمركبة الثقيلة حتي غاصت في وحل لاحدود له من المشاكل والمطبات التي لاتنتهي ولا يكاد يجد منها فكاكا.

كثيرة لاشك هي العراقيل التي يرزح تحتها النظام الجديد، وليس أقلها الوضع الدولي المكفهر والأزمة المالية المطبقة، مما يجعل الحليم حيران فما بالك بالمبتدئين الهواة، لكن كل تلك الأزمات يمكن إختزالها في إثنتين عاني منها المواطن برأيي الكثير، ألا و هما السيول وإنقطاع الكهرباء، فلاشيئ أشق علي المرء من أن يحكم عليه بالسير ليلا في سيل من الماء وبحر من الظلمات، حتي إذا أخرج يده لم يكد يراها

ليل الموريتانيين هذا بكل تأكيد صار كليل صديقهم و ملهمهم الشاعر الجاهلي امرأ القيس، الذي قاساه، ولكن من حسن حظ شركة الماء والكهرباء صونلك أنها لم تكن موجودة أنذاك، وإلا لكان لإمرئ القيس معها شأن، فهو بطبعه يأبي الضيم ولاينام علي الظلم، كيف يسكت علي ذلك وهو الذي لم يحتمل الأمر الواقع فماكان منه إلا أن خاطب الظلام الدامس و صاح في وجهه آمرا إياه بالإنصراف، كأنه يملك من أمره شيئا !

لقد أرخي هذا الليل البهيم علينا سدوله بكل أنواع الهموم، ربما ليبتلي كليل الشاعر، وربما ليساعد الشطار علي التزود لدنياهم من دنيا غيرهم، وفي كلتا الحالتين هو بلاء مبرم أن تعيش في الظلام ويجف حلقك عطشا، في حين تحاصرك برك المياه الراكدة من كل جانب، وبعض الناس بيوتهم المتواضعة مهددة بالسقوط في كل حين بسبب تهاطل المطر بغزارة شديدة، والدولة تتفرج عليهم وهم يسكنون العراء ويلتحفون السماء بعد أن طردتهم المياه من بيوتهم، دون أن تقوم بواجبها من إيواء، وتوفير المؤونة اللازمة للمشردين داخل الوطن وما أكثرهم

لقد ضحك أصحاب النظام الجديد من تعاطي الرئيس السابق مع كارثة الطينطان، فجائتهم مصيبة روصو وشكار وألاك وغيرها، فما كان رد فعلهم إذن؟ وهل كان تعاطيهم معها أفضل؟ لا أظن ذلك، وما أراه هو أن يقوم المليون شاعر ـ بعد أن أعيتهم معارضة النظام والضغط عليه من أجل الحصول علي حقوقهم الأساسية ـ أن يقوموا إذن بمعارضة أبيات امرئ القيس، فهو الآن ميت ويمكنهم ان يرفعوا عقيرتهم في وجهه دونما خوف أو وجل، وهو علي الأقل أقل بطشا من رئيس مخلوع، ومن أبياته المشهورة

وليل كموج البحرأرخي سدوله *** ******* عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت لـــــه لما تمـطّي بصلبه ********* وأردف أعجازا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ****** بصبح وما الإصباح منك بأمثل

ووالله ـ فيما أري ـ إن ليل امرئ القيس وهمومه لأرحم وأهون من ليلنا وهمومنا، وإنا لأصبر علي الضيم وأخنع للذل من ذلك الجاهلي المتمرد، وما أصابنا من مصيبة فبما كسبت أيدينا و ألسنتنا من التملق والنفاق، نبيع دنيانا وأخرانا بدنيا غيرنا، فلنذق طعم ذلك إذن !

الاثنين، 29 يونيو، 2009

طرقنا بابك..ياجبل طارق


كنت أتناول الغداء عندما رن هاتفي ، المتصل هو محمد فال ، شخص تربطني وإياه علاقات قوية ، وقد عبرت له في السابق عن نيتي زيارة المدن الأندلسية الأخري، وشغفي الشديد بالإطلاع علي كل ماله صلة بالتاريخ الإسلامي والعربي هنا في الأندلس خصوصا ، وفي إسبانيا عموما ، لأجل ذلك كان يلح علي بزيارته في مدينة لنيا دي لا كونسبسيون ، حيث الحدود بين إسبانيا و جبل طارق الذي يتبع لبريطانيا ، قبلت الأمر بسهولة بعد إعتذاري له مرات عن ذلك بسبب الإنشغال ، وقلت له خلاص علي بركة اللهإتفقنا علي أن أذهب إلي مدينة مالقا ، ومنها إلي إحدي ضواحيها تسمي بني المدينة، حيث سنقضي هناك ليلتنا، ومن ثم يأخذني بالسيارة لرؤية مالقا نهارا، ثم ننطلق بعد ذلك إلي جبل طارق ، إذ يقيم هو علي مقربة منه . إنتهت المكالمة ، وبعدها بقليل إنطلقت إلي المحطة لحجز مكان لي في الحافلة التي ستنطلق عند الساعة الثامنة مساء ، وكلي شوق إلي رؤية الجبل وتلمس حجارته ، عسي أن تلامس يداي مكانا وطأه الفاتحون ذات مرة والعزة بالله تملأ قلوبهم ، إنه طارق بن زياد الفاتح الإسلامي العظيم وجيشه المغوار الذي يشهد ذلك الجبل أن رجالا عظاما مروا عليه مرور الأبطال

كانت الجبال أثناء الطريق لاتكاد تفارق عيني ، و أنا أنظر بين الفينة والأخري من خلال زجاج الحافلة ، لكن ليس فيها الجبل الذي أبحث عنه ، وأتكبد عناء السفر من أجل رؤيته ، لأفتح عيني لأول مرة علي جبل يحمل إسم رجل ستبقي ذكراه محفورة بعمق في الذاكرة العربية و الإسلامية ، لقد مر ذلك القائد العظيم من هنا، ومن منا لا يعرف الأثر!، حتي الإسم بقي صامدا مستعصيا علي عوادي الزمن حيث لايزال الجبل يحمل إسم ذلك الرجل الجسور ، Gibraltar فالإسبان يحرفون إسمه قليلا، فهم ببساطة يدعونه "خيبرالتار"

لكن أذن المتلقي العربي سرعان ما تفكك الشفرة و تحدد المقصود منها دون كبير عناء، وما أكثر الكلمات العربية التي توجد في اللغة الإسبانية غير ذلك ، وإن طمستها أحيانا لكنة الإفرنج !دامت الرحلة من غرناطة إلي مالقا ساعة ونصف وكان الظلام قد بدأ يسدل أستاره علي المدينه عندما وصلت إلي المحطة في مالقا إتصلت علي الأخ الذي أرسل من يأحذني بالسيارة إلي حيث تقيم العائلة الموريتانية التي سننام عندها تلك الليلة في حي يدعي بني المدينة ، وفي الصباح ذهبنا لإلقاء نظرة خاطفة علي مالقا ، وأنطلقنا إلي الجبل مسرعين

يقع مضيق جبل طارق ما بين الطرف الجنوبي الغربي لأوروبا، والطرف الشمالي الغربي لإفريقيا. ويصل بين المحيط الأطلسي في الغرب والبحر المتوسط في الشرق. وتطل عليه من الشمال اسبانيا و منطقة جبل طارق ذات الحكم الذاتي والتابعة لبريطانيا ، ومن الجنوب المغرب ، وسبتة التابعة لإسبانيا، وكان يسمي قبل ذلك جبل كالبيتوجه طارق بن زياد لفتح الأندلس في اثني عشر ألف جندي، وعبر البحر في سفن يوليان ، وفتح الجزيرة الخضراء، ودخل بجيشه ـ بعد أن أحرق السفن ، وخطب حطبته الشهيرة ـ في معركة حامية الوطيس مع جيش لذريق دامت ثمانية أيام انتهت بهزيمة القوط . وفتحت هذه المعركة أبواب الأندلس على مصراعيها أمام الفتوحات الإسلامية ، فوصلت جيوش طارق طليطلة سنة 93هـ دون مقاومة تذكر. ومن ثم، تمكن طارق بن زياد من فتح قرطبة ومالقة وغرناطة ومرسية وغيرها

وصلنا إلي مسجد بدر في المدينة ، فوجدنا فيه جماعة من الدعوة و التبليغ ، مكثنا معهم بعض الوقت ، وكان من الصدفة أن بعض الشباب كانوا يريدون أيضا الذهاب للسباحة و رؤية الجبل ، وهم القادمون من إقليم الباسكخرجنا سيرا علي الأقدام للتمتع بالجو الساحر الذي يميز تلك البلاد بما حباها الله من جمال الطبيعة وقد صدق الشاعر حين قالثلاثة تجلي عن القلب الحزن *** الماء والخضراء والوجه الحسن

بدا الجبل ذو اللون الأبيض وكأنه رغم شموخه حزينا علي فقد الأحبة ، فهو يجد ريحا غير ريحهم ، و لاينتظر مبشرا يأتيه بقميص طارق . فعلا لقد شيبته السنين و الحزن وحولت لونه إلي ما يشبه البياض

لا أعرف لماذا هتف أحد المارة من الأسبان بالتكبير، الله أكبر الله أكبر، وذلك عندما رأي ملابس رفاقي وهم يرتدون الزي العربي وجميعهم ملتحون ، فكان أن تبسمنا و كبرنا معه ملوحين له بأيدينا ، فالمنطقة علي ما يبدو مع كونها ملتقي البحرين و القارتين ، فهي أيضا ملتقي الثقافات والحضارات ، فالبعض ممن لقينا يعرف كلمات مهما قلت من العربية ، وهنا أتذكر المجنون العاقل الذي تصادفنا معه عند الشاطئ وهو يمارس هواية الصيد ، هو الآخر أثار إنتباهنا بالسلام ، السلام عليكم..السلام عليكم ، فأقتربنا منه فطال الحديث معه ، وهو يدعي أنه مواطن عالمي ويعرف كثيرا من اللغات ، الرجل مقتنع بأن الإسلام دين حق ، و أن عيسي رسول الله و ليس إله، و أن الله واحد لا شريك له ، ورغم كونه كاثوليكيا فهو لا يؤمن بنظرية الثالوث ، أي الآلهة الثلاثة ، وكان متفهما ومتسامحا ، ولا يكف في حديثه لنا عن ترديد كلمة خي المغربية بمعني أخي ، لكنه يتبعها بمرادفتها من الإسبانية أرمانو ليطمئن قلبه ، ما شجع أحد الإخوة في النهاية إلي سؤاله عن ما إذا كان يرغب في إعتناق الإسلام ، فرد بالنفي و أنه كاثولوكي ولكنه رغم ذلك يحب الإسلام

شعرنا بالأسف كوننا لم نستطع الدخول إلي الجبل، علي قربنا منه، ذلك أنه لايكفي كوننا مقيمين في إسبانيا للدخول إليه ، إذ لايدخل إلا المقيمين في بريطانيا أو من يحملون الجنسية الإسبانية ، ما يؤكد سيطرة الإنجليز عليه، نظرنا إليه طويلا متأملين مستذكيرين دهرا مضي من تاريخنا الغابر، وجلسنا علي شاطئ البحر الأبيض وعيوننا منشوبة في الجبل الأبيض و حالنا كما قال الشاعر

أمر علي الديار ديار ليلي *** أقبل ذا الجدار و ذا الجدار

اوما حب الديار شغفن قلبي *** و لكن حب من سكن الديارا

الخميس، 18 يونيو، 2009

وطن جميل..ممكن


كانت أشياء غريبة أرتسمت في ذهني في تلك اللحظات، فبعد أن فرغت من تصفح المواقع الإخبارية الوطنية كلها تقريبا ، أشحت بوجهي عن الجهاز، وملت بظهري إلي الجدار حيث كانت المخدة في إنتظاره، وضعت يدا علي يد ، وانطلقت في رحلة ذهنية سريعة وغير مكلفة إلي ربوع الوطن الحبيب ، تماما كما نفعل اليوم مع كوكل إرث.لاأعرف كيف أختارذهني من بين مئات الذكريات مشاهد من مختلف عينات المواطنين ممن إلتقيت بهم في السابق ، وهم يشتكون و يولولون ويتبرمون ويندبون حظهم العاثر في هذا الركن القصي من الكرة الأرضية ، تعبيرا عن معاناتهم ، وأحيانا كثيرة يلجؤون إلي مقارنات عبثية بين وطنهم وجيرانه من البلدان معتبرين أنه رغم شح مواردها ووفرة موارده ، فإنها تبقي أحسن منه حالا بكثيركنت في انواكشوط عاصمة الذكريات ، ومربع الصبا ، كثير الإختلاط بالناس ،ذلك أني أنهيت بها معظم دراساتي الإبتدائية و الثانوية ، فضلا عن الجامعية فإلي ثانوياتها كنت أركب الأوتوبيس للإلتحاق بالدرس ، وكم غاب الأستاذ ، وكشر في وجهي محصل الحافلة !! تلك الحافلات المهترئة حيث معظم المواطنين يجدون فيها وسيلتهم الأرخص للتنقل صباح مساء من و إلي أماكن عملهم ، يغدون خماصا و يروحون خماصا ، تتهادي بهم نفايات من أكوام الحديد لا تصلح لشئ ولا أحد يهتم لحالهم ، و الأدهي من ذلك أنهم قد يمضون الساعات الطوال في إنتظارها ، تلهب أجسامهم النحيلة أشعة الشمس الحارقة وفي جامعتها ـ جامعة موريتانيا ـ عشت لحظات ممتعة بين "عرصاتها " كواحد من آلاف طلبتها القادمين من مختلف أنحاء الوطن المنهك لمتابعة دراساتهم غصبا عنهم في مشروعها المتعثر! فكم لقيت من أشخاص كانوا يحلمون بدراسة تخصصات لاتوفرها تلك الجامعة المانعة للتطور و البحث العلمي الرصين بسبب شح الوسانل و عقم المناهج وفوضوية التخطيط إن وجد !وفي أسواقها كم مرة أصغيت إلي التاجر وهو يقول أنه لايتذكر وجود الدولة إلا عندما يأتيه محصل الضرائب برفقة عنصر من الشرطة لإجباره علي دفع إتاوة لم تقدم الدولة له في مقابلها أي شيئ يذكر ، وقل نفس الشيئ عن سانق التاكسي ، وحتي البائع المتجول ، ثم هل رأيت شوارعها ـ ونحن علي أبواب الخريف ـ وقد أختلط فيها ماء السماء بماء الأرض ، حيث مجاري الصرف الصحي تزكم الأنوف و تثير الغثيان ، وتري الناس يعومون في تلك البحار و أيديهم علي أنوفهم وهم في غاية التسليم ، وكأنه لاأحد مسؤول عن نظافة المدينة و تسهيل الحياة لساكنتها من بني آدمالإدارات والمراكز ، حيث لا يرحمك إلادرهمك ،أوشخص تعرفه يعمل هناك ، صديق لك أو لأبيك أو لجدك ، وكل شئ بمائة أو تزيد ، فلا داعي لمزيد من قتل الوقت هدرا في غير طائل وفي المستشفيات و ما أدريك ما المستشفيات ، إجراءات طويلة ، ومعاملات ثقيلة ، وأجهزة ناقصة ، ومواعيد عرقوبية لاتنتهي ، والمحصلة أن الدكتور في عيادته الخاصة ، لمن أراد الشفاء العاجل ، وعلي الفقير تدور الدوائر عزيزي المواطن ، إنه حالنا الذي نتأفف منه ، وواقعنا الذي نعيشه ، لكنه ليس قدرنا المحتوم . أنا ألومك بقدر ما ألوم نفسي و أهلي ، وجيراني ، ومعارفي فنحن جميعا شركاء في السكوت علي الهوان و التسليم به كأنه قضاء وقدر ، ومن يهن يسهل الهوان عليه ، وهذا بالضبط هو ما يعاقبنا عليه ضميرنا الجمعي كل لحظة بالشماتة فينا ككيان ، كدولة ، لكن الضمير الفردي في المقابل لا يفعل أي شيئ من أجل تغيير الأوضاع السيئة إلي الأحسن ، ولايدرك أنه هو السبب الرئيسي لمصائبنا كجماعة ، وأن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم اليوم نحن علي موعد جديد مع التاريخ ، فالتغيير بين أيدينا ، والتصويت هو وسيلته ، وموريتانيا بطاقاتها الطبيعية و البشرية قادرة علي النهوض ، إذا ما وفقنا في إختيار رئيس غير ذي عوج ، حريص علي الوطن ، بالموريتانيين رؤوف رحيم ، يدرك معني الأمانة وقيمتها ويخاف الله فينا أكثر من أي شيئ آخرإن بناء وطن جميل شيئ ممكن الحصول ، لكن فقط بمواطنين واعين يسعون من أجل التغيير ويطمحون إليه ، والأهم من ذلك كله يؤمنون بأنفسهم أداة له ، وليس أبدا بكسالي وقاصري همة ، يتمنون الأماني ، ولايتقنون سوي الرثاء و البكاء علي الأطلال ، وعيب الزمان عزيزي المواطن ، إنه وطني ووطنك موريتانيا ، أعرف أننا لانبيعه بذهب الأرض ، لكن إلي متي سنظل نسمح لغيرنا أن يستعبدنا فيه ، أويمتلكه بغير وجه حق ؟


ومن لايحب صعود الجبال ****** يعش أبد الدهر بين الحفر

الأربعاء، 17 يونيو، 2009

في مدخل الحمراء


كان يوم إثنين جميل مررت في طريقي إلي قصر الحمراء علي إحدي محلات الشاي القريبة من المكان للأستراحة و تناول الشاي ، حيث الأجواء العربية التي تشحن الإنسان بالحنين إلي تراثه ، و أوطانه المغلوبة علي أمرها ، عسي أن يكون الرجوع قريبا ، وإن كانت ذكري زمان الوصل في الأندلس العربية و الإسلامية باقية حية في قلوبنا جميعا ، سلامي لكم جميعا محمد














صلح داكار...خواطر ناخب مغترب


إشتدي أزمة تنفرجي ، هكذا كنت أنظر ـ وإن من بعيد ـ إلي أزمة وطني الحبيب و تجاذباته السياسية و الإعلامية الحامية الوطيس، فمنذ أن أطاح العسكري بالمدني ، أو حتي قبل ذلك بأيام ، ومرجل الساحة السياسية في موريتانيا علي نار لا تكاد تعرف الهدوء ، تعلو وتهبط ألسنة لهبها بين الفينة و الأخري طبقا لمزاج مسعريها علي إختلاف أشكالهم لا يستهويني هنا كثيرا الحديث عن الماضي والخوض فيه ، بكل آلامه و آماله ، بقدرما أريد إقتناص هذه اللحظة الهامة في تاريخ بلاد السيبة الحديث ، للتعبير أولا عن مشاعر الغبطة و السرور كأي مواطن موريتاني عادي إثر إجتماع مفاوضي داكار الوطنيين علي كلمة سواء عساها أن تجنب البلاد ويلات صراع كان ينذر بتلاشي وطن هش. في إعتقادي أن الموريتاني إنسان بسيط ، يعشق السلم و الصلح ، وينفر من الصراعات وعدم الإستقرار ، ولعل هذا هو ما يفسر إستتباب الأمن في البلاد منذ زمن طويل ،ولا يعود ذلك أبدا إلي عبقرية إدارة أمننا ، وقوة جيشنا، علي أهمية دورهما، إذ لم تستطع ذلك بلدان أخري في المنطقة أقوي منا عشرات المرات ، ومن أين لها بمواطنين يجنحون بالفطرة إلي السلم كما هو حال الموريتانيين ! من هذه الزاوية بالذات كنت أتابع بإهتمام بالغ آخرالأخبار الساخنة القادمة من موريتانيا علي براق الشبكة العنكبوتية ، أمضي ساعات من يومي في تصفح المواقع الإخبارية الوطنية تلهفا لمعرفة جديد الساحة و مايدور فيها من أحداث. بعض المرات كنت أخاف من أسئلة الآخرين لي عن ما يدور في وطني ، وعن الأزمة والإنقلاب ، لأن الإنسان في الخارج برأيي يجب عليه أن يتكلم بخير عن وطنه ـ خصوصا إذا كان حديثه موجه لغير الموريتانين ـ أو يصمت إن لم يستطع ، و إن كان لايرضيه ما يحث هناك، وإلا فالينزل إلي الميدان. اليوم نحمد الله الذي ألف بين قلوب شركاء الأزمة الماضية ـ لا أعاد الله بمثلها ـ في إنتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة ، و كلنا أمل في أن يكون الناخب الموريتاني علي وعي تام هذه المرة بأهمية هذه الإ نتخابات المصيرية فلا يترك الآخرين يقررون بإسمه ويرسمون نيابة عنه ملامح مستقبله الخاص و العام ، بل عليه أن يستيقظ باكرا يوم الزحف الإنتخابي ، ويتوجه إلي مكتب التصويت واثقا من نفسه ، ويدلي بصوته بكل قناعة و حرية وجرأة ، لايخاف إلا الله و العسكر علي رئيسه القادم. فيا تري هل ستلدغ موريتانيا من نفس الجحر مرة تاسعة و عاشرة؟ لا سمح الله!

الديمقراطية في موريتانيا بأي ذنب قتلت ؟


كم هو جميل أن يشعر الإنسان بإنتمائه إلي وطن مهما كان فقيرا ومتأخرا إلا أن روح العدل والمساوات و الديمقراطية أخذت تتغلغل شيئا فشيئا في وجدان أبنائه فبدأوا يشرئبون برؤوسهم نحو السماء مؤملين مع إشراقة شمس كل يوم جديد مزيدا من الرسوخ لقيم الخير و التقدم و الإنفتاح و الديمقراطية التي كانت نسماتها بدأت تهب ـ و إن بإحتشام ـ علي مجتمعنا الموريتاني الفتي أيام الحكم المدني الخوالي...لا أنكر أني كنت ـ ربما من بين آخرين ـ قد تعجلنا كثيرا وأطلقنا العنان لمخيلا تنا أن تتأمل بحرية : تري كيف ستكون موريتانيا بعد عشرة أعوام مثلا من السير علي هذا الطريق الذي أختطته لنفسها و حازت به علي إعجاب العالم؟؟! كنت كل يوم أطلع فيه علي ما يكتبه الآخرون عن تجربتنا الفذة آنذاك ـ وكم يحز في نفسي أن أضيف الكلمة الأخيرة ـ يزداد شعوري بالفخر والحماس و أمرر يدي علي رأسي مستشرفا المستقبل وأنا علي يقين بأن دولة صغيرة بعدد سكانها ، كبيرة بمساحتها و ثرواتها الطبيعية مثل موريتانيا ، برئيس مدني منتخب ديموقراطيا لأول مرة في تاريخ الدولة الحديث منه و القديم ، وزعيم معارضة محترم حصل علي نسبة معتبرة من أصوات الناخبين ، و رجالات آخرين البعض منهم تمكن من الظهور لأول مرة علي خشبة المسرح السياسي الوطني بعد أن أجمعت الغالبية العظمي من الموريتانيين علي دورهم الفاعل في التحول السياسي الجديد الذي عرفته البلاد في تلك الفترة ، كنت أجزم حد اليقين أن دولة بهذه المواصفات لن تترك أبدا ـ مهما كان ، و في أي ظرف ـ ضرع الديمقراطية الحنون و المدرار، و تستبدله برضاعة الإنقلابات العسكرية الصناعية التي لاتخلو البتة من أخطار تلازمها ...كالرمية تنفلت من يد صاحبها ثم لا يقدر بعد ذلك علي التحكم في مصيرها. لكن كم صدمنا ـ ولنا العذر في ذلك ـ حينما قرر " ولي نعمتنا " أن يستردها فجأة ، مذكرا إيانا في كل طلعة من طلعاته علي الشاشة و الراديو أنه هو من أتي شخصيا بالديمقراطية وأنها من صنعه و صناعته ، لولا جرير هلكت بجيله !!! ولم ينقصه إلا أن يقول لنا أنها من إختراعه، ومن بنات أفكاره كما أن حاشيته و مناصروه بدورهم لا يألون جهدا في الإشارة إلي تلك النعمة التي حولوها إلي نقمة ، و التركيز عليها ، كأنهم بذلك يمُنون علينا شيئا أعطوه لنا ـ بزعمهم ـ رضي من عند أنفسهم ، ولا كنهم أسترجعوه بالقوة فوا أسفاه علي الوطن! لقد فات هؤلاء أن يدركوا أن تلك الذكريات الجميلة ماتت كخيوط الشمس علي حد تعبير نزار قباني ، فيتواضعوا قليلا ويعلموا أنهم بإحسانهم إلي موريتانيا من خلال المجيئ بالديمقراطية إنما يحسنون بذلك إلي أنفسهم أولا، ويخلدون لهم ذكري عزيزة في قلوب الموريتانيين جميعا، فيستحقوا بذلك إحترام الآخرين وتقديرهم. كما أنهم بالمقابل، وإن نجحوا فعلا في الإساءة إلي موريتانيا و سمعتها ، فقد أساؤوا أكثر إلي أنفسهم من حيث لم يشعروا وخربوا بيوت عزهم بأيديهم وأيدي الذين ناصروهم علي سرقة حلم الموريتانيين بغد أفضل . إن إنقلاب موريتانيا الأخير أثبت بما لا يدع مجالا للشك أن هناك أشخاص وضعوا في أماكن لا تناسبهم، فحُملوا ما لا يُطيقون أو علي الأصح ما لا يريدون، بغض النظر عن من وضعهم في تلك الأماكن، الشعب أو المال و النفوذ ! وأستغلوا أسوأ إستغلال الثقة التي وضعت فيهم، والآمال الكبيرة التي علقت عليهم بأن يمضوا بالمسيرة قدما، ويقطعوا بها شوطا ـ مهما قصر ـ إلي الأمام ، فكانت تلك الآمال أكبر من عقولهم و أفكارهم وخيبوا الظن فيهم إلي الأبد بعد أن كنا نحسبهم من الأخيار، فآثروا بدل ذلك أن يجروا البلد إلي معركة أخري هو في غني عن الخوض فيها ، أنهكت قواه المنهكة أصلا و أضاعت أمواله هدرا في غير طائل . لكن الأمل في بعث الديمقراطية من مرقدها و إحيائها من جديد يظل قائما ، بل و قويا جدا بعد أن أدركت القوي الوطنية الجادة أهميتها ، وآمنت بها بلسما شافيا لجراحات موريتانيا النازفة، سيما وأن هذه الكوكبة من الوطنيين الغيورين علي قدر عال من النضج السياسي و الثقافي مما يجعل الآمال معقودة عليها بعد الله في رد قطار الديمقراطية إلي سكته الطبيعية و ضمان إلتزامه إياها بشكل دائم ، فلهم منا كل الدعم و العرفان بالجميل ، و عودة ميمونة للديمقراطية إن شاء الله